ابن أبي الحديد

282

شرح نهج البلاغة

أبوه العاص بن وائل ، أحد المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله ، والمكاشفين له بالعداوة والأذى ، وفيه وفى أصحابه أنزل قوله تعالى : ( إنا كفيناك المستهزئين ) ( 1 ) . ويلقب العاص بن وائل في الاسلام بالأبتر ، لأنه قال لقريش : سيموت هذا الأبتر غدا ، فينقطع ذكره ، يعنى رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنه لم يكن له صلى الله عليه وآله ولد ذكر يعقب منه ، فأنزل الله سبحانه : ( إن شانئك هو الأبتر ) ( 2 ) . وكان عمرو أحد من يؤذى رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ، ويشتمه ويضع في طريقه الحجارة ، لأنه كان صلى الله عليه وآله يخرج من منزله ليلا فيطوف بالكعبة ، وكان عمرو يجعل له الحجارة في مسلكه ليعثر بها . وهو أحد القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة ، فروعوها وقرعوا هودجها بكعوب الرماح ، حتى أجهضت جنينا ميتا من أبى العاص بن الربيع بعلها ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ، نال منه وشق عليه مشقة شديدة ولعنهم ، روى ذلك الواقدي . وروى الواقدي أيضا وغيره من أهل الحديث أن عمرو بن العاص هجا رسول الله صلى الله عليه وآله هجاء كثيرا ، كان يعلمه صبيان مكة ، فينشدونه ويصيحون برسول الله إذا مر بهم ، رافعين أصواتهم بذلك الهجاء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلى بالحجر : ( اللهم إن عمرو بن العاص هجاني ، ولست بشاعر ، فالعنه بعدد ما هجاني ) . وروى أهل الحديث أن النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص ، عهدوا إلى سلا جمل فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد بفناء الكعبة ، فسال عليه ، فصبر ولم يرفع رأسه ، وبكى في سجوده ودعا عليهم ،

--> ( 1 ) سورة الحجر 95 . ( 2 ) سورة الكوثر 3 .